الاستخارة للزواج وما بعدها
أكثر ما يُسأل عن الاستخارة إنما يُسأل عنه في الزواج، ولذلك كان أكثر ما دخله من الأوهام في هذا الباب. وسنفصل هنا ما يخصّ الزواج تحديدًا؛ وأمّا نصّ الدعاء كاملًا بالتشكيل وصفة الصلاة بالترتيب فهي في صفحة دعاء الاستخارة.
هل للزواج استخارةٌ خاصّة؟
لا. لم يرد عن النبي ﷺ صفةٌ للاستخارة في الزواج تختلف عن الاستخارة في السفر أو التجارة أو غيرهما. قال جابر رضي الله عنه: «كان رسول الله ﷺ يعلّمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلّمنا السورة من القرآن» — رواه البخاري.
وتأمّل قوله «في الأمور كلها»: فهي بابٌ واحد لكل ما تتردّد فيه، لا بابٌ خاصّ بالمصير الكبير. وتأمّل التشبيه «كما يعلّمنا السورة»: أي أنها تُتعلَّم وتُعتاد، لا تُلتمس مرةً في العمر عند الحيرة القصوى.
متى تستخير في أمر الزواج؟
الاستخارة موضعها بعد أن تستفرغ وسعك في المعرفة، لا قبله. فاعرف أولًا ما تستطيع معرفته عن دين الطرف الآخر وخُلقه — وهما اللذان نصّ عليهما النبي ﷺ في الاختيار — ثم استخر فيما بقي من الغيب الذي لا سبيل لك إليه.
فالاستخارة ليست بديلًا عن البحث؛ هي تسليمُ ما بعد البحث. ومن استخار وهو لم يسأل ولم يستشر فقد طلب من الله أن يكفيه ما أُمر هو بفعله.
كيف تُسمّي الشخص في الدعاء؟
الاستخارة في زواجٍ بعينه
- انوِ الاستخارة في هذا الأمر بعينه، ثم صلِّ ركعتين من غير الفريضة.
- بعد السلام ادعُ بدعاء الاستخارة كاملًا.
- عند قولك: «اللهم إن كنتَ تعلم أن هذا الأمر خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري» — سَمِّ حاجتك هنا: «أن زواجي من فلانة»، أو «من فلان». تُسمّيها بلسانك أو تستحضرها بقلبك، والأمر في ذلك واسع.
- ثم امضِ في السعي: المشورة، والسؤال عن الدين والخلق، وما يُتّخذ في مثل هذا من الأسباب.
وليس في تسمية الشخص حرج ولا سوء أدب؛ فالدعاء نصّه يقتضي تعيين الأمر، ولا يستقيم معناه بغير تعيين.
ماذا بعد الاستخارة؟
هنا يقع أكثر الخطأ، وأكثره منقولٌ بحسن نيّة.
تكرار الاستخارة سبع مرات
الحديث الوارد في تحديد السبع ضعّفه أهل العلم، فلا يُبنى عليه عددٌ مقصود. والتكرار نفسه لا بأس به ما دام التردّد قائمًا — لكن بلا عددٍ محدود، وبلا اعتقاد أن للسابعة شأنًا ليس لما قبلها.
المصدر: ابن السنّي في عمل اليوم والليلة
العلامات واللون في المنام
ما يُتداول من أن رؤية الأبيض أو الأخضر بشارة، والأسود أو الأحمر نذارة، لا أصل له في السنّة ولا في كلام المحقّقين. وهو من أكثر ما يُفسد على الناس أمرهم، إذ يُقدِمون أو يُحجمون على لونٍ رأوه في نوم.
فما العلامة إذن؟ ما ييسّره الله ويمضي فيه أمرك. جاء في آخر الدعاء: «واقدُر لي الخير حيث كان، ثم رضِّني به» — فالمسألة تقديرٌ وتيسير ثم رضًا، لا إشارةٌ تُقرأ.
وإن بقي التردّد؟
التردّد بعد الاستخارة ليس ردًّا ولا علامة منع؛ هو حالٌ طبيعيّ في أمرٍ ثقيل. وأمامك ثلاثة أبواب مفتوحة معًا:
- أعِد الاستخارة ما دمتَ متردّدًا، بلا عددٍ تلتزمه.
- استشر: الاستخارة والاستشارة مقترنتان في كلام أهل العلم، والمشورة تكشف لك من الأمر ما لا يكشفه لك قلبك وحده.
- استكمل الأسباب: اسأل عن الدين والخلق، وانظر في المآل، فإن الله لم يرفع عنك النظر لأنك استخرت.
ومن أراد أن يُتبع استخارته بدعاءٍ في الأمر نفسه فله في أدعية تيسير الزواج ما ورد، وفي دعاء قضاء الحاجة ما يُدعى به عند الشدّة والحاجة.
وقتها وعدد ركعاتها
ركعتان، في أيّ وقتٍ عدا أوقات النهي، وليست مخصوصةً بجوف الليل ولا بيومٍ بعينه. ومن وافق بها وقت إجابةٍ — كآخر الليل، أو بين الأذان والإقامة — فقد جمع خيرًا إلى خير. وإن أردت تفصيل الركعات في الفرائض والنوافل فهو في عدد ركعات الصلوات الخمس.
ولا تصحّ الاستخارة في تركِ واجبٍ ولا في فعل محرَّم؛ فالواجب يُفعل والحرام يُترك بلا استخارة. وإنما الاستخارة فيما تردّد بين وجهين مباحين ولم يتبيّن لك خيرهما.